من مضيق هرمز إلى قناة السويس: الحرب الخفية على طرق التجارة العالمية

بقلم اللواء/ حسام سلامة – الخبير الإستراتيجي المحلل السياسي
العالم الذي يعتقد أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد صراع حول البرنامج النووي أو النفوذ في الشرق الأوسط، ينظر إلى نصف الصورة فقط.
فالحرب التي تلوح في الأفق في هذه المنطقة لا تتعلق فقط بإيران، ولا حتى بالنفط كما يظن كثيرون. الحقيقة الأعمق أن ما يجري قد يكون جزءًا من معركة أكبر بكثير: معركة إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.
ففي اللحظة التي صعدت فيها الصين بسرعة مذهلة لتصبح المنافس الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، بدأت معركة جديدة تدور بعيدًا عن العناوين التقليدية للحروب.
إنها معركة التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي: الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية التي تمر عبرها تجارة العالم.
ومن ينظر إلى الخريطة سيدرك أن أخطر هذه الشرايين يمر عبر طريق واحد يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولًا إلى قناة السويس.
هذا الطريق ليس مجرد ممر ملاحي، بل العمود الفقري للتجارة بين آسيا وأوروبا. ومن يملك القدرة على التأثير فيه لا يملك طريقًا بحريًا فقط، بل يمتلك ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد العالمي.
لهذا فإن قراءة الصراع في الشرق الأوسط باعتباره مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران قد تكون قراءة قاصرة. فالمشهد الحقيقي أكثر تعقيدًا، ويتعلق بتحولات عميقة في ميزان القوة الاقتصادية والسياسية في العالم.
خلال العقود الأخيرة تحولت الصين إلى قوة اقتصادية ضخمة، وأصبحت المصانع الصينية المصدر الرئيسي لجزء كبير من السلع التي تستهلكها الأسواق الغربية. ومع هذا الصعود المتسارع بدأت بكين في بناء استراتيجية طويلة المدى لتأمين طرق التجارة والطاقة التي يعتمد عليها اقتصادها.
ومن هنا ظهرت مبادرة الحزام والطريق، المشروع الصيني الضخم الذي يهدف إلى إنشاء شبكة هائلة من الموانئ والسكك الحديدية والممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. هذا المشروع لم يكن مجرد خطة اقتصادية، بل محاولة لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية.
لكن هذا التحول أثار قلقًا متزايدًا في واشنطن. فالمنافسة مع الصين لم تعد مجرد منافسة تجارية، بل أصبحت صراعًا على التحكم في سلاسل الإمداد العالمية التي يقوم عليها الاقتصاد الدولي.
وهنا تبرز أهمية الشرق الأوسط من جديد.
فالمنطقة التي تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر تمثل نقطة التقاء لثلاثة عناصر حاسمة في الاقتصاد العالمي: الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد. عبر مضيق هرمز يمر جزء كبير من النفط العالمي، بينما يشكل باب المندب البوابة التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، لتصل السفن بعدها إلى قناة السويس التي تمثل أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا.
أي اضطراب في هذا المسار لا يؤثر فقط على المنطقة، بل يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي بأكمله.
من هذا المنظور يمكن فهم كثير من التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة باعتبارها جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي. فإعادة ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط قد تعني أيضًا إعادة ترتيب قواعد التحكم في الطاقة وطرق نقلها.
كما أن القدرة على التأثير في هذه الممرات تمنح القوى الكبرى وسيلة ضغط غير مباشرة على الاقتصادات الصناعية الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة والمواد الخام عبر البحار.
وهنا تظهر الصين مرة أخرى في قلب المعادلة. فاقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة والسلع عبر طرق بحرية طويلة تمر عبر هذه المنطقة. أي اضطراب في هذه الطرق أو إعادة ترتيب لموازين السيطرة عليها قد ينعكس مباشرة على تكلفة الطاقة وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني.
وهكذا يصبح الصراع في الشرق الأوسط جزءًا من معركة أكبر تدور في خلفية النظام الدولي: معركة حول من يملك مفاتيح التجارة والطاقة في العالم.
فإذا كان القرن العشرون قد شهد صراعًا عالميًا حول السيطرة على مصادر النفط، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد صراعًا مختلفًا: صراعًا حول طرق نقل الطاقة والبضائع.
وفي قلب هذا الطريق الاستراتيجي تقع مصر، الدولة التي تمتلك أحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر قناة السويس. هذا الموقع يمنحها أهمية خاصة في معادلة التجارة العالمية، ويجعلها جزءًا من التوازنات الجيوسياسية التي تتشكل حول طرق الطاقة وسلاسل الإمداد.
غير أن الدور المصري في هذه المعادلة يستحق نقاشًا أعمق يتجاوز حدود هذا المقال، وهو ما سنحاول تناوله في مقال لاحق.
فما يحدث اليوم في الشرق الأوسط قد لا يكون مجرد صراع إقليمي عابر، بل فصل من عملية إعادة تشكيل أوسع للنظام الاقتصادي العالمي. وفي عالم يعتمد على التجارة أكثر من أي وقت مضى، قد لا تكون المعارك الكبرى القادمة على الأراضي، بل على الممرات التي تنقل الطاقة والبضائع عبر القارات.
ومن مضيق هرمز إلى قناة السويس، قد تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد ملامح القوة في القرن الحادي والعشرين


