مصر في عين الإعصار: كيف نواجه اقتصادًا يُختبر تحت ضغط الحروب وتغير التحالفات؟

بقلم اللواء/ حسام سلامة – الخبير الإستراتيجي المحلل السياسي
لم يعد ما يواجهه الاقتصاد المصري اليوم مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود والتكيف فى بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
حروب مشتعلة، توترات في الممرات البحرية، تغير في أولويات الحلفاء، وتباطؤ اقتصادي عالمي… كلها عوامل تضغط في توقيت واحد، وعلى اقتصاد لم يتعافَ بعد بشكل كامل من أزماته الهيكلية.
الحروب لم تعد أحداثًا بعيدة عن الداخل، بل أصبحت جزءًا من معادلة الحياة اليومية. كل تصعيد في المنطقة ينعكس فورًا على تكلفة الاستيراد، وسعر الوقود، وأسعار السلع، وقيمة العملة. ومع استمرار التوترات، خاصة في مناطق حساسة مثل الخليج والبحر الأحمر، تصبح مصر في قلب التأثير، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في الصراع.
ويأتي سيناريو التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران كأحد أخطر التهديدات المحتملة، نظرًا لتأثيره المباشر على إمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة. أي اضطراب في مضيق هرمز يعنى ارتفاعًا في أسعار النفط، وأي امتداد للتوتر إلى البحر الأحمر يعنى تهديدًا مباشرًا لقناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي.
في هذه الحالة، تجد مصر نفسها أمام معادلة صعبة: ارتفاع في التكاليف مقابل ضغوط على الإيرادات، وهو ما قد ينعكس في صورة موجات تضخم جديدة وتراجع في القدرة الشرائية للمواطنين.
في الوقت ذاته، لم يعد الدعم الخليجي كما كان في السابق. فقد تحولت العلاقة من نمط الدعم المالي المباشر إلى الاستثمار القائم على المصالح والعوائد. هذا التحول طبيعي في سياق التغيرات الاقتصادية في دول الخليج، لكنه يفرض على مصر واقعًا جديدًا: لا مجال للاعتماد على الدعم الخارجي دون مقابل واضح، ولا بديل عن بناء مصادر قوة داخلية مستدامة.
ولا يقل عن ذلك أهمية وضع العمالة المصرية في الخارج، والتي تمثل تحويلاتها أحد أهم مصادر العملة الأجنبية. هذه التحويلات، التي ساهمت لعقود في دعم الاقتصاد المصري، أصبحت تواجه تحديات متزايدة نتيجة سياسات توطين الوظائف في دول الخليج، وتغير احتياجات سوق العمل، وزيادة المنافسة.
وأي تراجع في هذا المورد ينعكس مباشرة على استقرار الاقتصاد الداخلي، ويزيد من حساسية السوق لأى صدمة خارجية.
أمام هذه التحديات، اتخذت الدولة بالفعل عددًا من الإجراءات، من بينها تحرير سعر الصرف، وطرح أصول للاستثمار، والتعاون مع المؤسسات الدولية، وتطوير البنية التحتية. وهى خطوات مهمة تعكس إدراكًا لحجم الأزمة، لكنها تظل غير كافية إذا لم تُستكمل بإصلاحات أعمق وأسرع على مستوى التنفيذ.
الحقيقة الواضحة أن مصر لم تعد تملك رفاهية الوقت، التحديات تتسارع، بينما الإصلاح يسير بوتيرة أبطأ من المطلوب.
ما الذى يجب أن تقوم به الدولة؟
لمواجهة هذا المشهد المعقد، تحتاج الحكومة إلى التحرك وفق رؤية واضحة وحاسمة، تقوم على:
تحقيق استقرار حقيقي لسعر الصرف من خلال سياسات نقدية مرنة، وتوفير مصادر مستدامة للعملة الأجنبية.
تمكين القطاع الخاص بشكل فعلى عبر تقليل تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وضمان منافسة عادلة.
التحول إلى اقتصاد إنتاجي وتصديري من خلال دعم الصناعة، وتقديم حوافز حقيقية للمصدرين.
إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام والتركيز على القطاعات ذات العائد الاقتصادي المباشر.
تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي بتحويل مصر إلى مركز لوجستي وصناعي يخدم التجارة العالمية.
الاستثمار في العنصر البشرى عبر تطوير التعليم الفني والتقني، لرفع كفاءة العمالة المصرية محليًا وخارجيًا.
وما الذى يجب أن يقوم به المجتمع؟
الإصلاح الاقتصادي ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل يتطلب دورًا واعيًا من المجتمع:
• ترشيد الاستهلاك وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة
• دعم المنتج المحلى وتعزيز ثقافة الإنتاج
• الاستثمار في المهارات والتعلم المستمر
• التحول نحو العمل الحر والمشروعات الصغيرة
• استخدام القنوات الرسمية في التحويلات المالية
رؤية مستقبلية: بين الخطر والفرصة
يقف الاقتصاد المصري اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة:
استمرار الوضع الحالي: تحسن بطئ مع بقاء الضغوط
تصعيد إقليمي واسع: ضغوط اقتصادية حادة قد تعيد الأزمة إلى نقطة أكثر خطورة
إصلاح حقيقي وسريع: وهو السيناريو الوحيد القادر على تحقيق استقرار مستدام
ما تمر به مصر اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل لحظة اختبار حقيقية.
الضغوط الخارجية ستظل قائمة، والحروب لن تتوقف، والتحالفات ستتغير.
لكن ما يمكن التحكم فيه هو طريقة الاستجابة.
إما أن تتحرك الدولة والمجتمع معًا نحو بناء اقتصاد قوى قائم على الإنتاج والمرونة، أو نظل عرضة لكل صدمة جديدة تأتى من الخارج.
الوقت لم يعد في صالح التردد… والقرارات لم تعد تحتمل التأجيل.


