مصر دولة مؤسسات… قراءة في عام مضى واستشراف لعام قادم

بقلم: المهندس عبد الحميد بطيخ – الخبير الاقتصادي ورائد العمل المجتمعي وقضايا التنمية وحقوق الإنسان
دخلت الدولة المصرية عام 2025 وهي محمّلة بتحديات جسيمة، بعضها داخلي نابع من تراكمات اقتصادية وضغوط اجتماعية، وبعضها خارجي فرضته تحولات إقليمية ودولية غير مسبوقة. ومع ذلك، أثبتت القيادة السياسية الحكيمة والرشيدة قدرتها على عبور سفينة الوطن وسط أمواج متلاطمة، مستندة إلى رؤية واضحة، وإدارة واعية للأزمات، وإيمان راسخ بأن بقاء الدولة واستقرارها هو الأولوية القصوى التي لا تقبل المساومة. ولم يكن هذا العبور وليد الصدفة، بل نتاج نهج مستمر اعتمد على الحكمة، وضبط الإيقاع، والموازنة بين متطلبات الإصلاح وضرورات الحماية الاجتماعية.
لقد شهد عام 2025 تحولات دولية وإقليمية بالغة التعقيد، من صراعات ممتدة في الإقليم، إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وضغوط اقتصادية ألقت بظلالها على مختلف دول العالم، وليس مصر وحدها. إلا أن تماسك مؤسسات الدولة المصرية، ووعي القيادة السياسية بحجم التحديات، والتفاف الإرادة الشعبية حول الدولة، شكّلوا معًا صمام أمان حقيقيًا مكّن مصر من احتواء الأزمات، ومنع انزلاقها إلى مسارات تهدد الاستقرار أو تقوّض مكتسبات السنوات الماضية.
ومع اقترابنا من عام 2026، تدخل مصر هذا العام الجديد بخطى ثابتة ومتوازنة، خاصة على الصعيد الاقتصادي. فالمؤشرات الإيجابية التي بدأت في الظهور، سواء من حيث ضبط السياسات المالية، أو تعزيز دور القطاع الخاص، أو توسيع قاعدة الإنتاج، تعكس توجهًا جادًا نحو اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على الصمود. كما أن التركيز على توطين الصناعة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، يمثل ركيزة أساسية لتحسين معدلات النمو وخلق فرص عمل حقيقية.
سياسيًا، تمضي الدولة المصرية بخطوات محسوبة نحو تعزيز الاستقرار المؤسسي، وترسيخ مبدأ دولة المؤسسات، واحترام الدستور والقانون. ويأتي ذلك في إطار رؤية شاملة تستهدف تعزيز المشاركة السياسية، وتوسيع دوائر الحوار، بما يضمن توازنًا بين متطلبات الأمن القومي وحقوق المواطنين في التعبير والمشاركة.
أما اجتماعيًا، فإن الدولة تواصل تبني سياسات تراعي حقوق المواطن المصري، وتضع العدالة الاجتماعية في قلب عملية التنمية. فالحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، لم تعد شعارات، بل أصبحت مسارات عمل واضحة، تعكس إدراكًا حقيقيًا بأن التنمية لا تكتمل إلا بإنسانها.
وسيكون عام 2026 عامًا مفصليًا بامتياز، إذ يشهد تشكيل مجلس النواب الجديد، الذي يُنتظر منه دور تشريعي فاعل في إقرار قوانين مؤجلة، وسن تشريعات جديدة تخدم المواطن، وتدعم الاقتصاد، وتعزز سيادة الدولة. كما سيشهد العام ذاته تشكيلًا حكوميًا جديدًا، يواكب متطلبات المرحلة المقبلة، إلى جانب افتتاح مشروعات قومية وتنموية تعكس استمرار الدولة في البناء والتطوير.
كما يشهد عام 2026 إطلاق استراتيجيات جديدة، وتجديد استراتيجيات قائمة، وفي مقدمتها الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بما يعكس التزام الدولة بتعزيز الحقوق والحريات في إطار يحفظ الاستقرار ويصون الدولة. وإلى جانب ذلك، تأتي تشريعات وإصلاحات على مختلف المستويات، تهدف إلى تسريع وتيرة النمو الاقتصادي، وحماية مقدرات الوطن، وضمان حقوق أبنائه.
إن تطلعات الدولة المصرية في المرحلة المقبلة تتجاوز مجرد عبور الأزمات، إلى بناء نموذج تنموي مستدام، يقوم على اقتصاد قوي، ومؤسسات فعّالة، ومجتمع متماسك. ويتطلب ذلك أدوارًا واضحة من الجميع: مجلس نواب واعٍ بمسؤولياته التشريعية والرقابية، ومؤسسات دولة تعمل بروح الفريق، ومواطن يدرك أن المشاركة والالتزام هما أساس البناء.
وقبل أن اختم حديثي يدخل الاقتصاد المصري عام 2026 وهو يحمل عددًا من المؤشرات الإيجابية التي تعكس قدرة الدولة على الصمود والتكيف مع التحديات. فوفقًا لبيانات رسمية، حقق الاقتصاد المصري معدلات نمو إيجابية رغم الاضطرابات العالمية، مع تحسن ملحوظ في مؤشرات الاستثمار الأجنبي المباشر، وارتفاع مساهمة القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الصناعة، والزراعة، والطاقة. كما واصلت الدولة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الهيكلي، ما أسهم في تعزيز الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية، وخفض معدلات البطالة تدريجيًا، إلى جانب التوسع في برامج الحماية الاجتماعية التي استفاد منها ملايين المواطنين، وفي مقدمتها برامج الدعم النقدي المشروط مثل «تكافل وكرامة».
وعلى صعيد التنمية، شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تنفيذ آلاف المشروعات القومية في مجالات البنية التحتية، والإسكان، والطاقة، والنقل، بما عزز من قدرة الدولة على جذب الاستثمارات، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للنمو الاقتصادي، وهو ما يشكل قاعدة صلبة تنطلق منها الدولة نحو عام جديد يحمل فرصًا أوسع للنمو وتحسين جودة حياة المواطن المصري. وتشير التقديرات إلى أن عام 2026 قد يشهد تحسنًا أكبر في مؤشرات النمو، وزيادة في حجم الاستثمارات، واستمرار التوسع في المشروعات الإنتاجية، بما ينعكس بشكل مباشر على سوق العمل ومستوى معيشة المواطنين.
ويمكننا ببساطة أن نرسم العام المنقضي والعام الجديد من خلال وضع عناوين ترسم المشهد منها أن مصر بين تحديات 2025 وآفاق 2026… دولة تعبر الأزمات بإرادة قيادتها، وأن العام 2025 اختبار الصلابة… و2026 عام الانطلاق بثقة
وختامًا، فإن مصر وهي تتقدم بثبات نحو عام 2026، تمتلك من الخبرة، والإرادة، والقيادة، ما يؤهلها لمواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص. ويبقى الرهان الحقيقي على استمرار التلاحم بين الدولة ومواطنيها، وعلى إعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، حتى تظل مصر قوية، آمنة، وقادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها.


