مقالات

ما وراء القمة المصرية الأوروبية

بقلم اللواء / حسام سلامة

عقد الرئيس السيسي القمة المصرية الأوروبية الأولى في خطوة حملت دلالات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية في هذه المرحلة، إذ أكدت على ثقل وأهمية مصر سواء في المنطقة أو في العالم، خصوصًا في هذا الوقت بالغ الحساسية من حيث التوترات الإقليمية والدولية. كما أعطت هذه القمة انطباعًا واضحًا عن مدى أهمية الدور المصري على الساحتين الإقليمية والعالمية في ترسيخ الأمن والسلام بهما.

والنجاح الكبير الذي حققته هذه الزيارة، ومدى تأثيرها في تعزيز المكانة التي يجب أن تحصل عليها مصر في النظام العالمي الجديد، والتحالفات الدولية التي ينبغي الحرص على الارتباط بها، كل ذلك دفعني للتفكير في أبعاد وما وراء هذه الزيارة المهمة.

شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت عليها بشدة، وكشفت هشاشتها في اعتمادها الكبير على روسيا في مجالي الطاقة والغذاء. كما أبرزت هذه الحرب تركيز الولايات المتحدة على منافستها الشرسة مع الصين، ما جعلها تعيد توجيه جزء من قدراتها نحو المحيطين الهندي والهادئ، وأدى إلى تقليص اهتمامها بحلف الناتو، مع الضغط على الدول الأوروبية لضخ المزيد من الأموال في الحلف وتقوية جيوشها بدل الاعتماد الكامل على أمريكا.

كل هذه المتغيرات دفعت أوروبا إلى إعادة ترتيب أوراقها والخروج من عباءة الولايات المتحدة، والبحث عن شركاء جدد في جنوب المتوسط، وتأمين مصادر بديلة للطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد. كما تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا في ملف الهجرة غير الشرعية الذي يؤثر على أمنها واقتصادها، وهو ما جعل من مصر شريكًا أساسيًا لا غنى عنه في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الصدد فإن مصر تتمتع بعوامل عديدة تجعلها شريكًا مثاليًا لأوروبا في النظام العالمي الجديد، فموقعها الجغرافي الفريد الذي يربط قارتي آسيا وأفريقيا، وامتلاكها لقناة السويس التي تمثل شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة العالمية، يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة في تأمين سلاسل الإمداد.

كما تابعت أوروبا عن قرب المشروعات العملاقة التي نفذتها مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت منها مصدرًا واعدًا للطاقة النظيفة.

بالإضافة إلى توسع الرقعة الزراعية وزيادة صادرات المحاصيل إلى أوروبا، وهو ما ساهم في دعم الأمن الغذائي الأوروبي.

كما أن محور قناة السويس والصناعات الناشئة والأسواق الجديدة في مصر يمثلون فرصة كبيرة لأوروبا لزيادة استثماراتها.

أوروبا قارة عجوز، ينتشر فيها كبار السن، وتحتاج إلى دماء شابة مدرّبة، لكن في إطار من الشراكة والسيطرة المنظمة، ومصر يمكن أن تكون هذا الشريك القوي القادر على التعاون في مجالات نقل التكنولوجيا، والتصنيع، والإمداد سواء في المجال العسكري أو المدني.

وقد أثبتت مصر في السنوات الأخيرة أنها قادرة على تحقيق الأمن الأوروبي من خلال دورها الكبير في الحد من الهجرة غير الشرعية، رغم أنها تستضيف أعدادًا ضخمة من اللاجئين والمتسللين، لكنها منعت عبورهم إلى أوروبا. ولهذا السبب دعمت أوروبا مصر اقتصاديًا وساهمت في مساعدتها على تجاوز أزماتها، وأبدت استعدادًا قويًا لزيادة الدعم في المستقبل.

لقد أثبتت التجربة أن أمن المنطقة لا يمكن تحقيقه دون وجود مصر. فوقف حرب غزة حتى الآن، والعمل على استمرار الهدنة، كان لهما أثر كبير في تعزيز الدور المصري إقليميًا ودوليًا. كما أن مصر ليست بعيدة عن القضايا العالمية، ولها تأثير واضح ومتنامٍ في صنع القرار الدولي، وهو ما يزيد من ثقلها ومكانتها عالميًا.

وقد تجلّى خلال زيارة السيد الرئيس والوفد المرافق له إلى أوروبا مدى احترام العالم لمصر ورئيسها وشعبها.

ومن هنا آن الأوان أن نجني ثمار تعبنا، ومشروعاتنا العملاقة التي صبرنا وعملنا من أجلها، لنشهد انفراجة جديدة في الأيام المقبلة.

تحية تقدير وإجلال لهذا الشعب العظيم الصبور، الذي تحمل المشقة من أجل مستقبل أفضل، وإن شاء الله نرى قريبًا المزيد من النتائج الإيجابية التي تليق بمصر ومكانتها.

تحيا مصر وشعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى