مؤتمر دافوس وإعادة هندسة النظام العالمي الجديد: لماذا كانت مصر في قلب المشهد؟

بقلم اللواء/ حام سلامة – الخبير الإستراتيجي المحلل السياسي
لم يكن مؤتمر دافوس هذا العام اجتماعًا اقتصاديًا تقليديًا، بل جاء مشحونًا بتفاعلات عميقة بين القوى الكبرى، عكست سعيًا واضحًا لإعادة رسم خريطة النظام العالمي الجديد. نظام لم تعد تقوم ركائزه على التفوق العسكري وحده، بل باتت القوة الاقتصادية، وسلاسة التجارة البينية، والتحكم في شرايين الربط والممرات التجارية هي المحدد الرئيسي لمكانة الدول داخل معادلاته.
وقد أظهرت نقاشات المؤتمر أن العالم يشهد مرحلة إعادة ترتيب شاملة، تتراجع فيها الثوابت القديمة، وتتصاعد فيها أهمية الدول القادرة على توفير الاستقرار، وتأمين حركة التجارة، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد، في ظل تصاعد النزاعات واضطراب عدد من الممرات التقليدية للطاقة والتجارة.
في هذا السياق، جاءت مشاركة مصر في المؤتمر من خلال الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتبارها اعترافًا دوليًا صريحًا بدورها المتصاعد كلاعب أساسي في النظام العالمي الجديد. ولم يكن هذا الحضور حضورًا بروتوكوليًا أو رمزيًا، بل نتاج مسار طويل من التحولات الاقتصادية والبنيوية التي أعادت صياغة موقع مصر على خريطة التجارة العالمية.
لقد أوضح المؤتمر، من خلال طبيعة اللقاءات واهتمام المؤسسات الدولية والشركات الكبرى، أن ما أنجزته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية من مشروعات قومية كبرى في البنية التحتية، والموانئ، وشبكات الطرق، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لم يكن مجرد استجابة لاحتياجات داخلية، بل تأسيسًا لدور وظيفي جديد لمصر داخل الاقتصاد العالمي. وهو ما ترجمته قناعة متزايدة بأن مصر باتت تمثل اليوم أحد أهم الممرات التجارية واللوجستية في العالم، وحلقة وصل لا غنى عنها بين الشرق والغرب.
التحرك المصري في دافوس: دبلوماسية اقتصادية بوعي سياسي
اتسم التحرك المصري داخل مؤتمر دافوس بكثافة اللقاءات ووضوح الرسائل، حيث حرص الرئيس السيسي على تقديم رؤية مصرية واقعية لما يشهده العالم من أزمات متشابكة. رؤية تقوم على أن غياب الاستقرار السياسي لم يعد خطرًا محليًا، بل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، وأن الدول القادرة على الحفاظ على الاستقرار باتت تمثل قيمة استراتيجية مضاعفة.
وقد ركز الخطاب المصري على الربط بين التنمية والاستقرار، مؤكدًا أن مصر لا تطرح نفسها كمجرد دولة عبور، بل كـمنصة متكاملة للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية، قادرة على استيعاب الاستثمارات طويلة الأجل، في وقت تبحث فيه الشركات العالمية عن بيئات آمنة وقابلة للتنبؤ بعد اضطراب العديد من المناطق الحيوية.
كما ارتبط التحرك المصري بالسياق العالمي الراهن، خاصة أزمات الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد، حيث جرى التأكيد على أن الموقع الجغرافي المصري، إلى جانب البنية التحتية الحديثة، يمنح مصر قدرة حقيقية على لعب دور محوري في تأمين حركة التجارة العالمية وتقليل مخاطر الاختناق الاقتصادي في أوقات الأزمات.
تحول نظرة الشركات العالمية إلى مصر
انعكس هذا التحرك بوضوح في تنامي اهتمام كبرى الشركات العالمية العاملة في مجالات الصناعة، والنقل، والطاقة، والموانئ والخدمات اللوجستية بالسوق المصرية. فلم تعد مصر تُنظر إليها كسوق استهلاكية فقط، بل كمركز إقليمي للتصنيع وإعادة التصدير، ونقطة ارتكاز رئيسية في سلاسل الإمداد العالمية.
ويأتي هذا التحول في توقيت بالغ الحساسية، يشهد فيه العالم اضطرابات حادة في بعض الممرات الحيوية، ما عزز من القيمة الاستراتيجية للممر المصري، وزاد من أهمية الاستقرار الذي تتمتع به الدولة المصرية مقارنة بمحيطها الإقليمي.
دافوس سياسيًا: محاولة أمريكية لاستعادة القيادة
على الجانب الآخر، لعب مؤتمر دافوس دورًا سياسيًا بارزًا، قادته الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة لإعادة تثبيت موقعها كقائد للنظام الدولي، عبر طرح توجهات جديدة لتعزيز مسارات السلام العالمي، وربط الاستقرار السياسي بحماية الاقتصاد العالمي وخطوط الملاحة الدولية.
وقد ظهر هذا التوجه من خلال النشاط اللافت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن عن التوصل إلى تفاهمات تتعلق بالدفاع المشترك عن جزيرة جرينلاند، سواء بالتنسيق مع الدنمارك أو في إطار أوروبي أوسع، في ظل التنافس الدولي المتصاعد على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.
سد النهضة: تقارب أمريكي–مصري تحكمه المصالح
أما ملف سد النهضة، فقد احتل موقعًا متقدمًا في اللقاء بين الرئيسين المصري والأمريكي، حيث بدا واضحًا أن واشنطن تسعى إلى التقارب مع القاهرة انطلاقًا من حسابات استراتيجية مباشرة. فمصر تمثل الفاعل الإقليمي الرئيسي القادر على ضمان نجاح المبادرة الأمريكية بشأن غزة، واستكمال مرحلتها الثانية، كما تمثل شريكًا لا غنى عنه في ملفات الاستقرار الإقليمي.
إلى جانب ذلك، تُعد مصر ممرًا ملاحيًا وجويًا حيويًا لا يمكن للقوات الأمريكية الاستغناء عنه، وشريكًا أمنيًا أساسيًا في منطقة شديدة الحساسية. ومن هذا المنطلق، تنظر الولايات المتحدة إلى الخلاف القائم بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة باعتباره ملفًا قد يحمل تداعيات مباشرة على خطوط الملاحة والتجارة العالمية، ما يجعل تجنب أي صراع مفتوح مصلحة دولية لا تخص مصر وحدها.
ختاماً
في المحصلة، كشف مؤتمر دافوس هذا العام عن عالم يعيد تعريف مفاهيم القوة والنفوذ، حيث لم تعد الشعارات ولا التحالفات التقليدية كافية لصناعة التأثير، بل أصبحت القدرة على ضمان الاستقرار، وتأمين حركة التجارة، وربط الاقتصاد بالسياسة هي العملة الحقيقية للنظام الدولي الجديد.
وفي هذا السياق، لم يكن الحضور المصري في دافوس حضورًا عابرًا، بل تجسيدًا لمكانة باتت مصر تحتلها فعليًا في معادلات العالم، دولة قادرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ، والتنمية إلى قوة تفاوض، والاستقرار إلى ورقة استراتيجية. ومن هنا، فإن مستقبل النظام العالمي الجديد لن يُرسم بمعزل عن القاهرة، ولا يمكن أن يستقر دونها.


