مقالات

«قصور الثقافة» على حافة الإنهيار.. تحتاج قرار يُنقذ ما تبقّى

بقلم/ محمد خضير
الكاتب الصحفي

في لحظة فارقة تمر بها الهيئة العامة لقصور الثقافة أصبح هناك ضرورة وجودية تفرض نفسها بقوة الواقع.. فالمؤسسة التي تعد الذراع الثقافي الأطول لوزارة الثقافة في الوصول إلى الجماهير، تقف اليوم أمام مشهد شديد القتامة، عنوانه الأبرز: فراغ إداري خانق، وتراجع حاد في جودة وتأثير الخدمة الثقافية المقدمة للجمهور.

وفي استجابة لما أُثير مؤخرا من انتقادات إصلاحيه، جاءت إشارة الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة إلى عزمها دراسة ما يُطرح من رؤى وملاحظات للإصلاح، باعتبارها خطوة أولى تُحسب لها.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تكفى «الدراسة» في مواجهة واقع ينهار؟ أم أن المرحلة تتطلب قرارات حاسمة لا تحتمل التأجيل؟.

الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن الهيئة تعيش واحدة من أخطر مراحلها منذ تأسيسها.. فعلى مدار العامين الماضيين، تحولت العديد من الازمات إلى نمط دائم من الارتباك، وتراكمت الملاحظات والمخالفات بصورة تنذر بانهيار إداري شامل، امتد أثره إلى جوهر الدور الثقافي ذاته.

ولذلك عزيزى القارئ: جوهر الأزمة ليس فقط ضعف الإمكانيات أو محدودية الميزانيات، بل في الأساس غياب القيادة ذات الخبرة الإدارية والثقافية.. بالإضافة إلى غياب الصف الثاني في القيادات، فالمؤسسة الثقافية التي تفتقد إلى رئيس يمتلك رؤية واضحة وصلاحيات حقيقية، تتحول تلقائيًا إلى كيان مترهل، تديره الاجتهادات الفردية لا السياسات المؤسسية.

هذا الفراغ لم يُنتج فقط بطئًا في اتخاذ القرار، بل خلق بيئة خصبة لتضارب المصالح، وتراجع معايير الكفاءة، وفتح الباب أمام ممارسات إدارية ومالية تحتاج إلى مراجعة دقيقة، وربما إلى «تدخل جراحي عاجل» يعيد ضبط المنظومة بالكامل، لأن المسكنات لم تعد تجدى نفعاً.

كما لم تعد المشكلة مقتصرة على الداخل الإداري، بل انعكست بشكل مباشر على الجمهور.. فالكثير من الفعاليات تحولت إلى مجرد «نشاط شكلي»، يُنفذ لاستيفاء الخطة لا لتحقيق التأثير.. غابت الفكرة، وتراجع المحتوى، وابتعدت الأنشطة عن هموم الناس الحقيقية، لتفقد الهيئة تدريجيًا صلتها بجمهورها الطبيعي.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر: حين تتحول قصور الثقافة من أداة وعي وتنوير إلى مجرد أرقام في تقارير، فإننا لا نخسر مؤسسة ثقافية مهمة فقط، بل نخسر دورًا استراتيجيًا في بناء عقل ووعى الإنسان.

سعادة الوزيرة: الحديث عن تكليف رئيس جديد لمجلس إدارة الهيئة يجب ألا يُختزل في كونه إجراءً إداريًا، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره نقطة تحول.. فالمطلوب ليس مجرد رئيس للهيئة، بل قيادة ثقافية يمتلك رؤية إصلاحية جذرية، وشجاعة اتخاذ القرار، والقدرة على المواجهة، وأي رئيس هيئة قادم لن ينجح إذا اكتفى بإدارة الواقع كما هو، أو انشغل بإطلاق فعاليات شكلية تُجمّل الصورة دون أن تمس الجوهر.. المطلوب هو إعادة بناء حقيقية تبدأ من الداخل، لا من الواجهة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى