فن إدارة الأحزاب.. “بين وهم المدّعين وخبرات أصحاب الكفاءات”

بقلم/ رامي زهدي
لم يعد مستغرباً أن يخرج علينا من يتحدث عن “فن إدارة الأحزاب” بلغة واثقة، بينما يفتقر إلى أبسط مقومات الفهم الحقيقي لهذا المجال المعقد، والأخطر من الخطاب ذاته، هو ما ينطوي عليه من خلط فادح بين طموح شخصي غير منضبط، ومفاهيم العمل الحزبي المؤسسي.
فإدارة الأحزاب ليست مساحة للتجريب الفردي، ولا منصة لتصفية مشاعر الإقصاء، ولا منبراً لإعادة إنتاج الذات تحت لافتة “الإصلاح” ولا مساحة للعلاقات الشخصية والصداقات، إنها عملية مركبة تقوم على تراكم الخبرات، واحترام الهياكل التنظيمية، والانضباط لقواعد العمل الجماعي، ومن يتصور غير ذلك، فإنه يعكس أزمة في الفهم لا في الواقع.
اللافت في بعض الطروحات الأخيرة أنها تتكئ على مفردات براقة مثل “كسر الدوائر المغلقة” و ”تحرير القرار الحزبي”، بينما لا تقدم في جوهرها سوى خطاب إنشائي يخفي عجزاً عن العمل داخل الأطر التنظيمية الطبيعية واحترام المؤسسية، فالحزب ليس كياناً سائلاً بلا ضوابط، ولا ساحة مفتوحة لكل من يرفض الالتزام ثم يرفع شعار التغيير.
الأخطر أن هذا الخطاب يعيد إنتاج “المظلومية” كأداة سياسية مُستهلكة، تُستخدم لتبرير الفشل في التكيف مع قواعد العمل الحزبي، فمن يعجز عن الاندماج، ويرفض التدرج، ولا يحتمل الانضباط، يلجأ غالباً إلى رواية جاهزة: “دوائر مغلقة” و ”إقصاء ممنهج”، أو إتهام بالفردية في الإدارة او إتهام الآخرون بالطاعة والالتزام وكأنها جريمة وليس أساس اداري لا يتنافى مع اختلاف الآراء، لكن الرأي شيء والقرار والإدارة المؤسسية شيء آخر والفرق سنوات من الخبرة والعلم.
الحقيقة، في كثير من الأحيان، أن الإشكال يكمن في غياب الأهلية لفهم طبيعة العمل الحزبي من الأساس.
الأحزاب الجادة لا تُدار بالهتاف، ولا تُبنى بالبيانات الانفعالية، ولا تُقاس بقدرة البعض على إثارة الجدل، بل تُقاس بقدرتها على إنتاج كوادر، وصياغة سياسات، وتحقيق توازن رشيد بين القيادة والمشاركة،
وهي معادلة لا يدركها من ينظر إلى الحزب باعتباره منصة للتمكين الشخصي، لا أداة للعمل العام.
وإذا كان النقد حقاً مشروعاً، فليس من المقبول أن يتحول إلى محاولة ممنهجة لتشويه الكيانات الحزبية، أو إلى خطاب يزرع الشك في كل بنية تنظيمية قائمة، فمثل هذا الطرح، وإن ادّعى الإصلاح، يؤدي عملياً إلى إضعاف الثقة في الأحزاب، وإرباك المشهد السياسي، وخدمة حالة السيولة التي لا تخدم الدولة ولا المجتمع.
الأكثر إشكالية أن بعض من يتبنون هذا الخطاب يتحولون موضوعياً إلى عنصر ضغط سلبي داخل البيئة الحزبية، بل وأحياناً إلى عبء حقيقي على أي تجربة تنظيمية ينتمون إليها، ليس بسبب الاختلاف، بل بسبب غياب الفهم، ورفض القواعد، والإصرار على تقديم الذات بوصفها الضحية الدائمة.
إن العمل الحزبي في مصر، كما في غيرها، يحتاج إلى نضج لا إلى شعارات، وإلى التزام لا إلى تمرد غير محسوب، وإلى بناء تراكمي لا إلى قفزات دعائية، ومن لا يمتلك أدوات هذا العمل، فالأجدر به أن يتعلم قبل أن يُنظّر، وأن يشارك قبل أن يُحاكم، وأن يفهم قبل أن يدّعي.
في النهاية، الفارق جوهري بين من يسهم في بناء الأحزاب ولو بصمت ومن يسعى إلى هدمها تحت لافتة الإصلاح.
الأول يتحمل المسؤولية، والثاني يهرب منها.
الأول يعمل داخل المؤسسة، والثاني يقف خارجها ليمنح نفسه حق الوصاية عليها.
وبين الاثنين تتحدد قيمة الدور، ويتكشف من يخدم العمل السياسي ومن يثقل عليه.
وفي لحظة دقيقة تمر بها الدولة المصرية، حيث تتعاظم التحديات الإقليمية والدولية، وتزداد الحاجة إلى اصطفاف سياسي واعٍ ومسؤول، يصبح الحديث عن “إدارة الأحزاب” ليس ترفا فكريا، بل قضية ترتبط مباشرة بجودة المجال العام وقدرته على دعم الاستقرار وصناعة بدائل سياسية جادة.
غير أن بعض الأصوات التي تتصدر هذا الحديث تنطلق من تصورات نظرية منقطعة الصلة بطبيعة الواقع السياسي المصري، وتتجاهل عمداً أو جهلاً خصوصية المرحلة، التي تفرض توازناً دقيقاً بين الانفتاح السياسي والحفاظ على تماسك الدولة الوطنية.
تتجلى أزمة الفهم في محاولة إسقاط نماذج مثالية أو مستوردة، أو قراءات سطحية بلا خبرة، على بيئة سياسية لها تعقيداتها وتاريخها وتحدياتها الأمنية والاقتصادية.
الأحزاب في مصر لا تعمل في فراغ، بل داخل سياق دولة تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، من محيط إقليمي مضطرب إلى نظام دولي يعيد تشكيل نفسه على وقع صراعات كبرى.
في هذا السياق، يصبح الحديث السطحي عن “كسر الدوائر المغلقة” تبسيطا مخلا، يتجاهل أن بناء الأحزاب في الدول المستقرة نسبيا يختلف جذريا عنه في الدول التي تخوض معارك تثبيت الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، فالمعادلة هنا ليست بين انفتاح وانغلاق، بل بين فوضى قد تُضعف الكيان، وانضباط يضمن استمراريته.
كما أن توظيف خطاب “المظلومية” في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن محاولة القفز على متطلبات العمل السياسي الجاد، فقد شهدت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة انفتاحا محسوبا في المجال العام، وصعود قوى حزبية جديدة، وإعادة تموضع لقوى قائمة، وتناميا لدور الأحزاب في ملفات حيوية، من الحوار الوطني إلى دعم السياسات العامة.
ومن داخل هذه التجربة، يتضح أن التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في “الإقصاء”، بقدر ما كان في القدرة على الفعل: من يبني كوادر؟ من يمتلك رؤية؟ من يحول الشعارات إلى برامج؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد موقع أي طرف داخل الحياة الحزبية، لا حجم الضجيج الذي يصنعه.
الأخطر أن بعض هذه الطروحات، عبر تعميمها غير المنضبط، تُسهم في تشويه صورة الأحزاب المصرية أمام الرأي العام، وتغذي سردية سلبية لا تعكس التطور الحقيقي الذي تشهده التجربة الحزبية رغم التحديات، وهنا تتجلى المفارقة: خطاب يرفع شعار الإصلاح، لكنه عملياً يُضعف أدواته.
ومن زاوية أعمق، فإن العمل الحزبي في مصر اليوم يحتاج إلى عقلية بناء لا عقلية احتجاج ممنهج.
يحتاج إلى إدراك أن السياسة مسؤولية قبل أن تكون تعبيراً، وأن الانخراط في الأحزاب يعني الالتزام بقواعدها والعمل داخل هياكلها، والسعي لتطويرها من الداخل لا الوقوف خارجها لإصدار الأحكام.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن الكيانات التي فرضت نفسها لم تكن الأعلى صوتاً، بل الأكثر تنظيماً، والأقدر على قراءة اللحظة، والأكثر التزاماً بمعادلة “الدولة أولاً” دون التفريط في دورها السياسي، وهي معادلة دقيقة لا يدركها من يختزل السياسة في صراع مواقع أو منصات للظهور او حضور حفلات الغذاء والعشاء والأفراح وأعياد الميلاد.
في النهاية، يبقى الفارق واضحاً بين من يتحرك داخل إطار الدولة، مدركاً لحجم التحديات ومساهماً في البناء، وبين من يختار موقعاً أسهل: التنظير من الخارج، وتقديم قراءات سطحية لا تصمد أمام اختبار الواقع.
وإذا كانت الأحزاب المصرية بحاجة إلى تطوير، فإن هذا التطوير لن يأتي عبر خطابات انفعالية أو سرديات مظلومية، بل عبر عمل جاد، وتراكم خبرات، واحترام لقواعد اللعبة السياسية كما هي، لا كما يتخيلها البعض.
ففي السياسة، كما في غيرها، لا يكفي أن تتحدث عن “الفن”… بل يجب أن تُتقنه.


