مقالات

رواية التحليل السياسي لمبادرة الرئيس الأمريكي حول مدينة غزة والشعب الفلسطيني

بقلم اللواء/ إبراهيم جاهين

الخطة الأمريكية الأخيرة لإدارة ما بعد الحرب في غزة، والتي طغى عليها حديث عن إعادة إعمار وإدارة دولية وحتى مقترحات بمنح واشنطن دوراً إشرافياً أو إدارة مؤقتة لقطاع غزة، تبدو على السطح وكأنها محاولة لإنهاء الخراب وفك طوق المعاناة الإنسانية، لكن قراءة أكثر واقعية ومظاهرية تُظهِر أن هذه المبادرة تحمل في طياتها ثنائية أخطر: رغبة في هندسة جغرافيا سياسية جديدة وآليات إعادة توزيع للسكان والسلطة بعيداً عن الفلسطينيين أنفسهم، وبين وعد بالتنمية يُخشى أن يتحول إلى طوق يختبئ خلفه خروج الفلسطينيين من معادلة القرار في وطنهم.

فقد طرح البيت الأبيض ومقترحوه تصورات لإعادة بناء غزة كمنصة اقتصادية كبرى (مخططات تُروَّج لها بأسماء تسويقية كـ”riviera” و”مراكز تكنولوجية”) بينما يقترح البعض في دوائر القرار الأمريكية والإسرائيلية شبكات استثمارية دولية وإدارات مؤقتة تدير الأمن والبنية التحتية والاقتصاد، وهو ما يفتح الباب أمام إدارة أمر واقع تتجاوز حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتحويل ملف إعادة الإعمار إلى مشروع جيو-اقتصادي يختار مستفيديه ومصالحه.

النقطة الأولى المثيرة للجدل هنا ليست مجرد نية إعادة الإعمار، بل طبيعة الشروط والآليات: من يملك القرار في غزة من الآن فصاعداً؟ هل ستكون إعادة الإعمار رهنية لشروط أمنية تفرضها قوى خارجية (تتطلب نزع السلاح، تغييرات في البنية القيادية، ومؤسسات حكم تخضع لمحاور إقليمية أو دولية)؟ أم أنها ستمنح الفلسطينيين دوراً مركزياً في إعادة بناء مدينتهم؟ الإجابات العملية التي تُطرح في الاجتماعات الدبلوماسية الأخيرة توحي بأن هناك ميلًا لإحكام تحكم خارجي كبير في ملفات الأمن والاقتصاد والبنية التحتية، بينما تُترك قضايا المواطنة والهوية الفلسطينية على هامش التفاوض.

ثمة بُعد إنساني-قانوني يجعل من المقترحات مثيرة للريبة: مقترحات نقل السكان “طوعياً” أو تشجيع نزوح مأجور مؤقتاً مقابل تعويضات نقدية قد تنهض على مؤشرات تبدو طوعية لكنها في الواقع تجري في ظل ضغوط مادية ونفسية وتجهيزات أمنية تحول الاختيار إلى خيار قسري بالمعنى الضمني. هذه الفكرة اصطدمت برفض عربي وغربي مدني وقانوني واسع لأن في طياتها خلطاً بين إعادة إعمار وعمليات تغيير ديموغرافي قد تخرق مبادئ القانون الدولي المتعلقة بحق العودة وعدم التهجير القسري.

من زاوية المصالح الجيوسياسية الإقليمية، تبدو المبادرة الأمريكية محاولة لربط إعادة الإعمار أثناء فترة ما بعد الحرب بمنظومة أمنية وإقليمية تجعل غزة حلقة في شبكة أوسع من النفوذ: ضمانات أمنية لإسرائيل، استثمارات من دول خليجية ومصالح شركات عالمية، وإطار استثماري يُبرر وجود قوى أجنبية للرقابة والإدارة تحت شعارات “الاستقرار والتنمية”. هذا لا يقلل من أهمية الدعم الإنساني، لكنه يحوّله إلى آلية للنفوذ السياسي.

على مستوى الرأي العام الفلسطيني والعربي، أثارت المبادرة موجة استياء وتحذيرات من “إعادة صياغة الهوية” بدل إعادة بناء المنازل: كثيرون يرون أن الربط بين التنمية والتحكم الأمني قد يفضي إلى إدارة يومية للحياة في غزة لا يقوم على المساواة والكرامة، بل على شروط تُناسب أولوية مصالح دولية وإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية.

الرد السياسي الرسمي من العواصم العربية والدولية يعكس توازناً هشاً: على مستوى العملية التفاوضية جرت وساطات ومناقشات متسارعة والسعي لإنهاء الحرب وإطلاق إعادة إعمار، لكن هذه الديناميكية الدبلوماسية ترافقها تحفّظات قوية من قبل فصائل فلسطينية ونشطاء حقوقيين ينبهون إلى أن الهدنة المؤقتة لا يجب أن تتحول إلى مدخل لتثبيت واقع جديد دون التزام صريح بحقوق الفلسطينيين وعودة اللاجئين.

في الخلاصة، المبادرة الأمريكية حول غزة تحمل وجهين متضادين: الوجه الإنساني الذي يعد بتمويل وإعمار واستثمار قد يعيد الحياة إلى مدينة مدمرة، والوجه الاستراتيجي الذي قد يحوّل إعادة الإعمار إلى آلية هندسة سياسية وديموغرافية تخضع لمصالح خارجية وتضعف قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم. لذا يجب أن تُقترن أي خطة إنمائية بضمانات سياسية وقانونية واضحة: حقوق العودة، مشاركة فلسطينية كاملة في صنع القرار، وضمانات دولية لا تسمح بتحويل غزة إلى مساحة نفوذ بعباءة التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى