حقوق الإنسان والقطاع الخاص: التحديات والفرص في 2026-2030

الدكتورة/ شيماء الرفاعي
رئيس قسم المسئولية الاجتماعية للشركات – مركز تواصل مصر للدراسات والاستشارات
في سبتمبر 2021، أطلقت الدولة المصرية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، كخطوة مهمة لبناء مجتمع عادل يضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين، بما في ذلك القطاع الخاص الذي تم الاعتراف به كشريك رئيسي في التنمية، وليس مجرد فاعل اقتصادي. وقد نصت الاستراتيجية على حقوق واضحة للقطاع الخاص، تشمل الحق في بيئة تشريعية عادلة، حرية ممارسة النشاط الاقتصادي، المشاركة في التنمية، الحصول على حوافز عند دعم المجتمع، والالتزام بحقوق العاملين.
وعلى أرض الواقع، يمكن ملاحظة بعض تطبيقات هذه الحقوق. فقد شاركت شركات مثل أوراسكوم والسويدي في مبادرة “حياة كريمة”، ما يعكس تنفيذ بند المشاركة في التنمية. كما تم تبسيط الإجراءات الاستثمارية عبر مراكز خدمات المستثمرين وتقديم تسهيلات تشريعية، ما يدل على احترام الدولة لحقوق الشركات وتسهيل عملها. وقد بدأت الدولة أيضًا في منح حوافز للشركات الملتزمة بالمسؤولية المجتمعية، وأصدرت أدلة استرشادية تربط نشاط الشركات بأهداف التنمية المستدامة، ما يمثل دمجًا عمليًا لحقوق الإنسان في السياسات الاقتصادية. كما تم إطلاق برامج تمويل للمشروعات الصغيرة وربط بعض البنوك وشركات الاتصالات بجمعيات أهلية في مشروعات تعليم وصحة، لتعزيز المشاركة العملية للقطاع الخاص في التنمية.
ورغم هذه الإنجازات، لا تزال هناك تحديات واضحة. فالالتزام في الشركات متوسطة وصغيرة الحجم ما زال محدودًا نسبيًا، حيث يركز معظمها على البقاء والربحية أكثر من الاهتمام بمفاهيم حقوق الإنسان أو المسؤولية المجتمعية. كما لا توجد حتى الآن جهة رقابية مستقلة تقيس الامتثال الشامل لحقوق الإنسان داخل الشركات، فالرقابة تقتصر على وزارة العمل في ما يخص حقوق العمال، والمجلس القومي لحقوق الإنسان بدأ فقط بالإشارة إلى أهمية الرصد دون وجود نظام ملزم.
أما استفادة المحافظات المهمشة، فتظل محدودة، فمساهمات القطاع الخاص غالبًا تتركز في المبادرات الكبرى والمناطق الحضرية مثل القاهرة والدلتا، رغم بعض الجهود في الصعيد وسيناء. ومن جهة أخرى، لا تزال العلاقة بين القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني بحاجة إلى مأسسة واضحة، من خلال منصات مشتركة على مستوى كل محافظة، وحوافز ضريبية رسمية مقابل دعم الجمعيات الأهلية، وربط مسؤولية الشركات الاجتماعية بمؤشرات أداء واضحة.
وعلى صعيد المتابعة، بالرغم من صدور تقارير سنوية عن تنفيذ الاستراتيجية، إلا أنها تقارير جزئية ولا تتضمن بيانات تفصيلية عن التزام كل شركة أو قطاع، والملاحظات والتوصيات الصادرة عن المجلس القومي لحقوق الإنسان ليست ملزمة ولا تتضمن آليات رقابية دقيقة على الشركات.
من كل هذا، يظهر أن هناك إنجازات ملموسة للقطاع الخاص، لكنها لا تزال محدودة وتركز على الشركات الكبرى والمناطق الحضرية، بينما تبقى الشركات المتوسطة والصغيرة والمناطق المهمشة بحاجة إلى مزيد من الدعم والرقابة والتوجيه. لذلك، من الضروري أن تتضمن الصياغة الجديدة للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2026-2030 آليات رقابية شاملة، وحوافز رسمية لدعم المجتمع المدني، ومأسسة الشراكات بين القطاع الخاص والجمعيات الأهلية، وتوسيع نطاق المبادرات لتشمل جميع محافظات مصر، بما يعزز دمج حقوق الإنسان في السياسات الاقتصادية بشكل حقيقي وعملي.


