الحلقة السادسة من كتاب “سيرة من الضفة الأخرى” ( ما قبل الغضب .. الليلة التي سبقت العاصفة )

الحلقة السادسة من كتاب
“شاهد من أهلها: سيرة من الضفة الأخرى”
بقلم العميد/ خالد سلامة
الخبير الأمني
انفراد جديد… يكشف كواليس وأسرار تُروى لأول مرة
فقط على “الجسر”… منصة تعبر معك إلى المستقبل.
في الحلقة السادسة
صباح الخميس 27 يناير .. ما قبل الغضب
صباح الخميس، 27 يناير.
كانت القوات ما تزال في حالة استعداد دائم؛ لا نوم ولا راحة. يأتي الطعام للمجندين من قطاعاتهم المختلفة، بينما نكتفي نحن بأي شيء يسد الرمق، ومعه شاي أو قهوة لا تنقطع، لتعيننا على التركيز واحتمال السهر المتواصل.
تتابعت الساعات، وتداخل اليوم بالذي يليه، والدقائق بالنوم المعدود. حالة من الاستنفار الدائم، واليقظة التي لا تهدأ، تحسبًا لأي تحرك أو مفاجأة.
بعد صلاة الظهر ذهبت إلى اللواء (م. ن)، وتحدثت معه حول ضرورة إراحة القوات ولو بالتناوب، دون التأثير على عدد الخدمات. قلت له إن الرجال لم يذوقوا النوم منذ أيام، والوضع يبدو أنه سيطول.
كان اللواء يدرك تمامًا صحة كلامي، فاتصل باللواء (ح. ط)، مساعد مدير الأمن، ليبلغه بطلبنا. وبعد مناقشة الموقف، تم بالفعل السماح براحة جزئية، لكن على الورق فقط — إذ لم نستطع تنفيذها على أرض الواقع.
اتصل بي المقدم الشهيد ساطع النعماني، مشرف خدمات فيصل، وكان — رحمه الله — زميلًا وأخًا وصديقًا عزيزًا. رجل نادر، دمث الخلق، دائم الابتسام، شديد الطيبة، مخلص في عمله ووطنه.
كنت أحيانًا ألومه على طيبته الزائدة وإيثاره للناس على نفسه، فيضحك قائلاً بابتسامته المعهودة:
“ما ليش في الزعل يا خالد، خليها على الله.”
تحدثنا ظهر الخميس عن الأوضاع في ناحيته، فقلت له:
“خلي بالك من نفسك يا ساطع، عندك الوضع أصعب شوية.”
فرد بابتسامته:
“وانت كمان، ناحيتك ممكن تقوم في ثانية.”
تبادلنا الحديث عن راحة القوات، فقال إنه طلب الشيء نفسه من القيادات، لكننا جميعًا كنا ندرك أننا أمام يوم مختلف قادم بسرعة.
بدأت الدعوات تتصاعد على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب بجعل يوم الجمعة 28 يناير “جمعة الغضب”.
انتشرت الدعوات كالنار في الهشيم، وتزايدت الاستجابة. وازدادت الأمور خطورة حين أعلن الدكتور محمد البرادعي — المدير العام السابق للطاقة الذرية — عن انضمامه للتظاهرات.
كما أعلنت حركات مثل 6 إبريل، والاشتراكيون الثوريون، وحركة كفاية عن مشاركتها.
كانت كل المؤشرات تنذر بأن الغد سيكون يومًا فارقًا في تاريخ البلاد.
في تلك الأثناء، وصلت إلينا تقارير متتابعة من محافظة السويس: المتظاهرون أشعلوا النيران في قسم الأربعين، والأحداث هناك تزداد اشتعالًا كل دقيقة.
اتصالات العمليات لم تهدأ لحظة؛ كل دقيقة جديدة تحمل أخبارًا عن اشتباكات أو تظاهرات.
ورغم موافقة القيادات على إراحة القوات، لم يكن هناك وقت للراحة — بل العكس، ازدادت حالة الاستنفار واليقظة، وتم رفع درجة الاستعداد إلى أقصاها.
كل نقطة رصد داخل ناهية كانت مطالبة بملاحظة أي حركة أو تجمع، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا.
أي شيء مريب كان يتم الإبلاغ عنه فورًا.
وفي تلك اللحظات المشحونة، ورد إلينا الاتصال الحاسم:
“صدر قرار وزير الداخلية بإقرار الخطة (100).”
كانت تلك الجملة وحدها كفيلة بأن تنقلنا من القلق إلى الاستشعار الكامل بالخطر.
الخطة (100) — أو ما تُعرف بـخطة الطوارئ القصوى — هي الخطة التي تضعها الوزارة لمواجهة الأحداث الجسيمة، وتتضمن إغلاق مداخل ومخارج القاهرة إن لزم الأمر، وتأمين المنشآت الحيوية، وتشكيل غرفة عمليات عليا بوزارة الداخلية يشرف عليها الوزير شخصيًا.
آخر مرة نُفذت فيها هذه الخطة كانت في أكتوبر 1981، وقت اغتيال الرئيس أنور السادات وأحداث أسيوط الإرهابية.
حينها، أيقنت أن الغد لن يكون يومًا عاديًا.
توجهت إلى اللواء (م. ن) والرائد الشهيد أحمد جاد، وتحدثنا عن خطورة الموقف، ثم خرجنا سويًا ومعنا ضباط المباحث — النقيب (م. س) والنقيب (ك. ف) — لرفع الروح المعنوية للقوات والاطمئنان على الجاهزية.
عدنا إلى ميدان ناهية، وكلٌّ منا بدأ يتصل بأهله ليطمئن عليهم.
اتصلت بأمي وأولادي. كان والدي — رحمه الله — قد توفي منذ عامين، وكنت أشعر أن قلبي ينقبض وأنا أحدثهم.
سألتني أمي بقلق:
“فيه إيه يا خالد؟ البلد فيها إيه؟ ليه بتقول نقعد كلنا في بيت واحد؟ أنا قلبي مش مطمن.”
هدأتها، وطلبت منها الدعاء لي ولزملائي ولمصر كلها. لكنها كانت تشعر بما أشعر به. قبل أن تنهار من البكاء، أنهيت المكالمة مؤكدًا عليها أن يجتمع الجميع في بيت واحد. وعدتني بذلك.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً حين ورد إليّ إخطار خاص جدًا:
“مأمورية مهمة تتحرك الآن في اتجاه القرية الذكية.”
استغربت كثيرًا. أي مأمورية هذه التي تتحرك في هذا الوقت المتأخر، في ليلة الخميس، وقبيل “جمعة الغضب”؟
لكن سرعان ما جاءت الإجابة: المأمورية تضم كبار رجال الدولة —
رئيس الوزراء د. أحمد نظيف،
وجمال مبارك رئيس لجنة السياسات،
ووزيرا الدفاع والداخلية،
ووزير الاتصالات.
أدركت أن الأمر جلل. فاجتماع بهذه القيادات في هذا التوقيت لا يعني إلا شيئًا واحدًا: أن البلاد على أبواب يوم تاريخي… يوم سيُكتب في ذاكرة مصر إلى الأبد.



